فوزي آل سيف

258

أنا الحسين بن علي : صفحات من السيرة المغيبة عن الأمة

نحتمل من خلال القرائن التاريخية أنه كان هناك مجلس آخر تم عقده في المسجد المعروف بالأموي وهو الذي يتصل به قصر يزيد وربما يكون في اليوم التالي مباشرة، مع استعدادات مفصلة وحضور أكثر من العامة، بخلاف المجلس السابق الذي كان في القصر حيث لم يتيسر لكل من يريد أن يحضره. ومن خلال ما يتجمع من قصص وأحداث يتبين فيه حتى وجود بعض غير المسلمين ممن صادف وجودهم في تلك الأيام في دمشق أو كونهم زوارا للسلطة، كما يظهر منها أيضاً أنه كان بإمكان بعض العامة أن يتخاطب مع يزيد في شأن (طلب احدى الأسارى للخدمة) وهكذا. يفترض أنه بعدما اخذ الجميع مواقعهم، لم يتحدث يزيد هنا مباشرة وكأنه اكتفى بما قاله في اليوم الماضي وألجمه ما سمعه فيه، فأمر خطيباً أن يبين وجهة نظر السلطة الأموية من خلال التهجم على أمير المؤمنين علي والامام الحسين عليهما السلام، وبالطبع مدح يزيد بن معاوية وأبيه وذكرهما بكل جميل! فوقف الإمام السجاد عليه السلام في وجهه وقال: « ويلك، أيها الخاطب! اشتريت رضا المخلوق بسخط الخالق؟ فتبوأ مقعدك من النار»، ثم قال: « يا يزيد! ائذن لي حتى أصعد هذه الأعواد فأتكلم بكلمات فيهن للّه رضا، ولهؤلاء الجالسين أجر وثواب»، فأبى يزيد، فقال الناس: يا أمير المؤمنين! ائذن له ليصعد، فلعلّنا نسمع منه شيئا، فقال لهم: إن صعد المنبر هذا لم ينزل إلّا بفضيحتي وفضيحة آل أبي سفيان، فقالوا: وما قدر ما يحسن هذا؟! فقال: إنّه من أهل بيت قد زقّوا العلم زقًّا، ولم يزالوا به حتى أذن له بالصعود. فصعد المنبر، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم خطب فقال: « أيها الناس أعطينا ستًّا، وفضلنا بسبع: أعطينا العلم، والحلم، والسماحة، والفصاحة، والشجاعة، والمحبة في قلوب المؤمنين، وفضلنا بأنّ منا النبي المختار محمداً صلّى اللّه عليه وآله، ومنا الصديق، ومنا الطيار، ومنا أسد اللّه وأسد الرسول، ومنا سيدة نساء العالمين فاطمة البتول، ومنا سبطا هذه الأمة، وسيدا شباب أهل الجنّة، فمن عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي: أنا ابن مكة ومنى، أنا ابن زمزم والصفا، أنا ابن من حمل الزكاة بأطراف